كيف يمكن لشباب لبنان أن يلتقوا في مساحات مشتركة؟ المستقبل - الاحد 20 تشرين الثاني 2005 - العدد 2104 - نوافذ - صفحة 10 عدنان الأمين يسلّم مفهوم الاندماج الاجتماعي، من جهة، بوجود التنوع أو التعدّد أو عدم التماثل بين الناس (أفراداً وجماعات)، ومن جهة ثانية، بوجود إرادة عند هؤلاء الناس بإقامة نسيج اجتماعي مشترك. ويندرج من ذلك أن تحقيق الاندماج الاجتماعي يتطلّب، من جهة، توفير الفرص لكي ينخرط الناس في هذا النسيج الاجتماعي، ومن جهة ثانية، بناء قدراتهم (المهارات والمعارف والقيم اللازمة) للاستفادة من هذه الفرص عن طريق التعليم والتأهيل والتدريب والإرشاد والإعلام. ويكمن تحقيق الاندماج الاجتماعي على مستوى أول في معالجة مشكلة الإقصاء من خلال دمج المهمّشين من فقراء ونساء وأقليات (على أنواعها) وشباب وكبار السن وذوي الحاجات الخاصة ومشردين ومهاجرين وغيرهم في النسيج الاجتماعي بإتاحة فرص المشاركة المجتمعية لهؤلاء (فرص الدراسة النظامية وغير النظامية والانتقال من التعليم إلى العمل والصحة والسكن والمشاركة في الحياة السياسية والحصول على المعلومات وممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية والتطوعية والوقاية من العنف والجريمة، الخ...)، وذلك استناداً إلى مبادئ العدالة والمساواة والحقوق المشروعة. ونسمي هذا النوع من الاندماج "الاندماج المدني". ويمكن التمييز بين نموذجين لمعالجة الإقصاء هما: 1 ـ الاستيعاب أو الامتصاص أو الانصهار assimilation، حيث ينتظر من الشخص أن يترك، نوعاً ما، ما يميّزه عن الآخرين لينصهر في النسيج الاجتماعي السائد، أو 2 ـ الدمج inclusion، حيث يشارك الشخص في النسيج الاجتماعي السائد، كلياً أو جزئياً، من دون أن يفقد هويته الخاصة. ويتّخذ مفهوم الاندماج الاجتماعي معنى ثانياً في المجتمعات المعرّضة للصراع بين الجماعات المكونة لها، بحيث أن المشكلة المطروحة هنا هي التفكك الاجتماعي socialdisintegratin والصراع الاجتماعي social conflict، وبحيث أن الهدف يكمن في تحقيق التماسك الاجتماعيsocial cohesion . هذا التماسك يتخذ شكل الحيز أو المساحة الاجتماعية العامة التي تتشارك فيها الجماعات وتتفاعل ضمن ما تعتبره مصلحة عامة واعتماداً متبادلاً. وهو ينطبق على عدد من البلدان في أوروبا وأفريقيا وآسيا، ومنها لبنان. ويتخطى هذا المفهوم مفهوم التعايش الذي ينطوي على فكرة سلبية للتفاعل بين الجماعات، حيث تبقى كل جماعة معزولة عن الأخرى ومجاورة لها من دون صراع ومن دون تماسك، إلى مفهوم العيش المشترك في بيت واحد يسوده التفاعل والتعاون والاحترام المتبادل ولو أن لكل شخص شخصية خاصة به. ويتمٌيز هذا المعنى للاندماج الاجتماعي (التماسك الاجتماعي) عن المعنى الأول (معالجة الإقصاء) من حيث ماهية الفرص التي يتعيّن توفيرها ومن حيث وظيفة هذه الفرص. وتتمٌيز الفرص هنا بأنها: ـ تقوم على الاختلاط ما بين الأفراد والجماعات المتنوعة في مساحات عامة ومشتركة. ـ توفّر التفاعل بين انتماءات واتجاهات متعددة، في اطار المصالح المشتركة والاعتماد المتبادل، وما يشتمل عليه هذا التفاعل من تقبل الاختلاف ومن تكوين قيم واتجاهات عامة (إضافية أو بديلة) لصيقة بالمساحات العامة والمشتركة تجسد الانتماء إليها وتعكس قوة الشعور بهذا الانتماء. ـ توفٌر الحراك الاجتماعي، أي الانتقال الأفقي ما بين أجزاء المجتمع الجغرافية، والانتقال العامودي على السلم الاجتماعي، ما بين الوظائف والشرائح الاجتماعية، دون وجود جدران وأسقف مانعة. ونسمي هذا النوع من الاندماج "الاندماج التغييري أو التحويلي"، مقابل الاندماج "المدني"، لأنه: 1 ـ يوفر حراكا اجتماعيا على مستوى المجتمع ككل (تغير عبر المناطق والشرائح)، 2 ـ يفضي إلى زيادة التماسك الاجتماعي (تغير في البنية الاجتماعية)، 3 ـ يفضي إلى تكوين البدائل بسبب الاختلاط والتفاعل بين مختلفين (التطوير الاجتماعي) 4 ـ يساهم في زيادة رأس المال الاجتماعي (أو الشبكات الاجتماعية). ويقتصر العرض في هذه الوثيقة على الاندماج التغييري عند الشباب، ويعتبر أن طموح الشباب نحو الاستقلالية عن الراشدين وعن ثقافة هؤلاء تجعلهم أكثر استعدادا لتكوين البدائل ولتقبل التغير الاجتماعي العام أو المبادرة إليه، بما في ذلك زيادة القابلية لديهم للتغيير عندما ينتقلون إلى مصاف الراشدين. ويعيش الشباب في لبنان هذه المفارقة المعروفة عالمياً، فهم ضحية النزاع ووقوده من جهة وهم قوة التغيير من جهة ثانية. لذلك تتلخص قضايا الشباب من زاوية الاندماج الاجتماعي التغييري بثلاث: الاختلاط، والتفاعل (القيم والاتجاهات)، والحراك الاجتماعي. أولا ـ فرص الاختلاط أ ـ الواقع: فرص الاختلاط بين الشباب في لبنان متعددة الاحتمالات لكنها محدودة الحجم، وقد حصل تراجع ملموس فيها بعد العام 1975. يختلط الشباب في ما بينهم في الأماكن العامة، ولاسيما مراكز اللهو والتسلية والرياضة على أنواعها، وفي المنظمات والتجمعات الشبابية، وفي المؤسسات التربوية ولاسيما الجامعات. 1 ـ مع أنه يصعب التدقيق بأماكن اللهو والتسلية التي يرتادها الشباب، يمكن القول إنها موزعة جغرافياً تبعاً للمعطيات السكانية التي ضعف الاختلاط فيها بشكل كبير بعد العام 1975، ويقتصر الأمر حاليا على مجموعة من المواقع "المركزية" في بيروت وضواحيها، وبخاصة في وسط المدينة وشارعي بليس (محيط الجامعة الأميركية) ومونو (محيط جامعة القديس يوسف). أما أماكن اللهو الأخرى (مثل المسابح والمنشآت المائية وغيرها) فيمكن الجزم بأنها لا تؤدي إلى الاختلاط لغياب التفاعل بين مرتاديها. 2 ـ على الصعيد الطلابي، خسر الجسم الشبابي بعد العام 1975 منظمتين مهمتين كانتا تتيحان فرص اختلاط كبيرة بين الطلبة، هما اتحاد طلاب لبنان، واتحاد طلاب الجامعة اللبنانية. وقد فشلت الجهود التي بذلت حتى اليوم من أجل إعادة بنائهما. 3 ـ أما المنظمات الشبابية غير الطلابية، فقد ظهرت عدة منظمات كان القصد منها تحديداً إعادة بناء سبل التواصل والتفاعل بين الشباب الموزع في شبه كيانات جيو ـ سياسية. ومن هذه المنظمات مثلا: "شباب لبنان الواحد" (دار الندوة) ، "انتظارات الشباب" (الرهبنة الأنطونية)، "مسار السياسات الشبابية" (اتحاد غوث الأولاد واليونسكو). وقد نفذت هذه المنظمات الكثير من الأنشطة خلال العقد المنصرم وأتاحت فرص التفاعل والاختلاط بين شباب آتين من أوساط متنوعة. لكن حجم رعاية الراشدين لهذا النوع من المنظمات ما زال كبيراً، وما زال السؤال مطروحا حول "مدى مشاركة الشباب في صناعة القرارات وتحديد الحاجات وموضوعات العمل واختيار الأنشطة وتنفيذها" (شيا، 2005). بحيث يمكن الافتراض أن هذه المنظمات ما زالت هامشية في حياة الشباب اللبناني من جهة، وما زال الشباب فيها هامشياً في تنظيمها وقيادتها. أما المنظمات الشبابية الأخرى كـ"اتحاد شباب لبنان" فهو محاولة للجمع بين اتجاهات سياسية متضاربة، وهو فشل بالمعنى نفسه الذي فشلت فيه إعادة بناء اتحاد طلاب الجامعة اللبنانية. 4 ـ على الصعيد الرياضي، تشكّل إعادة تفعيل الاتحادات الرياضية منذ عودة السلم الأهلي وتنظيم المباريات بطريقة دورية على الملاعب المنتشرة في المناطق فرصا ولو محدودة للاختلاط وزيادة التفاعل بين اللاعبين ومناصريهم من الأطياف اللبنانية المختلفة. 5 ـ على المستوى التربوي، كانت المدارس الثانوية المرموقة الرسمية والخاصة في بيروت الكبرى تستقطب الطلاب من أوساط متنوعة. قلّت بعد العام 1975 المدارس الخاصة التي تحمل هذه الصفة، واختفت مثيلاتها في القطاع الرسمي. أما على المستوى الجامعي فقد تم تفريع الجامعة اللبنانية طبقا للخريطة الجيوسياسية التي فرضتها الحرب ونشأت مؤسسات تعليم عال خاص على قاعدة الخريطة نفسها. في الستينيات وحتى السبعينيات كانت الجامعة اللبنانية الموحّدة في بيروت تضم خليطا من الطلاب يشكل المسيحيون منهم حوالى 60 في المئة، فيما كان الطلبة المسيحيون يشكلون90 في المئة في جامعة القديس يوسف، وأكثر من 80 في المئة من الطلاب اللبنانيين في الأميركية، وكان المسلمون يشكلون حوالي 90في المئة من طلاب الجامعة العربية. وهذه النسب تعكس من جهة درجة الاختلاط ومن جهة ثانية التفاوت بين المسيحيين والمسلمين في ارتياد الجامعات. فماذا حصل بعد ذلك؟ استنادا إلى استقصاء أجري في العام 1997 يتبين: أن 7 في المئة فقط من طلاب لبنان كانوا يرتادون مؤسسات للتعليم العالي مختلطة دينياً وجغرافياً، مقابل 74 في المئة يرتادون جامعات من لون ديني غالب، و19 في المئة يرتادون جامعات تقع ما بين الطرفين، مع غلبة لدين معين تتراوح نسبتها بين 59 في المئة و73 في المئة . وبالتالي فان فرص الاختلاط بين الشباب اللبناني ـ فئة الطلاب ـ الآتين من أوساط مختلفة أصبحت ضعيفة جداً، وأن الاختلاط المتوافر (في الجامعة الأميركية فقط) يقتصر على نخبة الطلاب الاجتماعية والاقتصادية والأكاديمية، بينما يتابع الجمهور الواسع منهم دروسه في مؤسسات شبه مغلقة، في طلابها وأساتذتها وإدارييها. إزاء هذه الوقائع ذات الذيول العديدة على الشباب والاندماج الاجتماعي، يبدو هامش زيادة فرص الاختلاط محدوداً، وينحصر في الفروع الأولى والثانية في الجامعة اللبنانية، ولكنه هامش مقبول. أولاً، لأن هذه الفروع تقع في منطقة جغرافية واحدة، حيث أن تفريعها نجم عن ظروف الحرب التي زالت، وبالتالي فإن استمرارها يعتبر استمراراً لتلك الظروف و/أو عملاً تمييزياً مقصوداً. وثانياً، لأن هذه الفروع تنتمي إلى جامعة وطنية يفترض فيها أن تجمع اللبنانيين؛ فهي ليست جامعة مسيحية ولا إسلامية ولا أجنبية، ويفترض بها أن تؤمن فرص التفاعل في ما بينهم. وثالثاً، لأن طلاب الجامعة اللبنانية يأتون من الشرائح الاجتماعية الأدنى، ويساهمون بصورة جدية إما في ديناميكية الصراع أو في ديناميكية التماسك الاجتماعي. وتستحوذ الفروع الأولى والثانية على 34032 طالباً وطالبة اليوم (معطيات العام 2003/2004)، فإذا أضفنا إليهم طلاب الكليات الموحّدة في الجامعة اللبنانية، يرتفع العدد إلى 38597، ما يشكل 58 في المئة من طلاب الجامعة اللبنانية، و29 في المئة من طلاب لبنان، وهي نسبة محترمة. فإذا حدث الاختلاط في هذه الفروع ترتفع نسبة الاختلاط إلى 34 في المئة في الجامعات على المستوى الوطني. ب ـ تساؤلات وتوجهات: 1 ـ كيف يمكن توسيع نطاق المساحات العامة والمشتركة، ودعمها وتعزيز نوعيتها، من مؤسسات تربوية وترفيهية وثقافية ومنظمات شبابية، لتصبح أماكن حقيقية للاختلاط بين الشباب؟ 2 ـ هل يمكن التفكير بخلق أماكن أو آليات تخص اللهو والتسلية والنشاطات الثقافية تعزّز فرص التفاعل والاختلاط بين الشباب، مثل توأمة النوادي والزيارات المتبادلة أو المشتركة للأماكن الأثرية أو إقامة الندوات أو الحفلات المشتركة؟ 3 ـ هل يمكن التفكير بإعادة إحياء اتحاد طلاب لبنان واتحاد طلاب الجامعة اللبنانية على قواعد غير تلك التي أدت الى فشل قيامهما سابقاً؟ 4 ـ هل يمكن التفكير بخلق فرص مستدامة لتلاقي المنظمات الشبابية والتفاعل الحثيث في ما بينها؟ 5 ـ كيف يمكن الاستفادة من إعادة تفعيل الاتحادات الرياضية من أجل تعزيز الاختلاط والتفاعل؟ 6 ـ ما الحوافز والتسهيلات التي يمكن اعتمادها لتشجيع نشوء وتوسع منظمات شبابية ذات طابع وطني مهما كان مدار اهتمامها؟ 7 ـ هل يمكن التفكير بتوحيد فروع الجامعة اللبنانية في بيروت الكبرى لتعزيز الاختلاط؟ 8 ـ كيف يمكن تعزيز الاختلاط في فروع الجامعة اللبنانية الأخرى؟ 9 ـ هل يمكن التفكير مثلاً بتوحيد الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية على أسس جديدة تجعلها أكثر نجاعة وجاذبية مما هو قائم حالياً من زاوية الاختلاط؟ 10 ـ كيف يمكن تعزيز الاختلاط في الجامعات الأخرى؟ هل يمكن التفكير مثلاً في وضع برامج لتبادل الطلبة بين جامعات لبنان؟ وكيف نزيد فرص الحراك الأكاديمي ما بين الجامعات؟ 11 ـ هل يمكن التفكير بإنشاء جامعة واحدة موحّدة لدراسات الدكتوراه لكل لبنان، بمشاركة كل جامعاته، الحكومية والخاصة؟ 12 ـ هل يمكن التفكير باعتبار بيروت الكبرى وعواصم المحافظات المجال الحيوي للمساحات المشتركة، والنواة التي تشتق منها وتتفرع عنها وتتشابك معها المساحات المماثلة المنتشرة جغرافيا؟ ثانياً ـ القيم والاتجاهات سوف نقتصر هنا على نوعين: القيم المتعلقة بالمرأة والاتجاهات السياسية. أ ـ الواقع: 1 ـ القيم المتعلقة بالمرأة إذا وزّعنا مجموعة من المواقف المتعلقة بالمرأة بين قيم تمييزية (تقليدية) وقيم مساواتية، ودرسنا العلاقة بين اتجاهات الطلاب حول هذا الموضوع وعدد من المتغيرات (استقصاء 1997) نجد أن كثيراً من المتغيرات يترك أثراً عليها (الجامعة، الكلية، الدين، الجنس، مستوى تعليم الأبوين، المستوى الاقتصادي الاجتماعي، ودرجة الاختلاط داخل الجامعة). لكن أقوى هذه المتغيرات أثراً هو الدين: فنسبة التقليديين بين المسلمين أعلى من نسبتهم لدى المسيحيين. على أن أثر الاختلاط يبقى فاعلاً داخل كل دين على حدة. ذلك أن مؤشر القيم المساواتية يرتفع مع زيادة الاختلاط من 19.35 نقطة إلى 24.8 نقطة عند المسلمين، ومن 24.66 إلى 26.77 عند المسيحيين. وقد تم الحصول على نتائج مشابهة في العام 2004. 2 ـ القيم والاتجاهات السياسية أ ـ الأحزاب السياسية التي يؤيّدها الطلاب صرّحت نسبة عالية من الطلاب الذين تم استفتاؤهم في العام 1997 أنها لا تؤيد أي حزب (44.6 في المئة)، والباقي توزع على 3 مجموعات من الأحزاب. وقد تبين أن هذا التوزع لا علاقة له بالجامعة ولا بالمستوى التعليمي للأبوين ولا بمهنة الأب، وأن الأثر يقتصر فقط على الدين والجنس. أما الفرق المتعلق بالجنس فيتمثل في تمنع الإناث عن تأييد الأحزاب أكثر من الذكور. وأما الفرق بين المسلمين والمسيحيين فيظهر في أن 89.4 في المئة من مؤيدي الأحزاب بين المسيحيين يحبذون أحزاب مجموعة تشمل التيار الوطني الحر، الكتلة الوطنية، حزب الوعد، الكتائب، القوات اللبنانية، الوطنيون الأحرار، مقابل 3.9 في المئة من المسلمين، بينما 89.4 في المئة من مؤيدي الأحزاب بين المسلمين يحبذون أحزاب مجموعة ثانية تشمل حركة أمل، حزب الله، حركة التوحيد الإسلامي، الجماعة الإسلامية، الحزب الاشتراكي، الناصريون، حزب البعث، ومجموعة ثالثة تشمل الحزب الشيوعي والحزب القومي، مقابل 5.9 في المئة بين المسيحيين. ما أثر الاختلاط في الجامعة على هذه الاتجاهات؟ بالنسبة للمسلمين: تزيد نسبة الذين يؤيدون أحزاباً مسيحية والحزبين الشيوعي والقومي، بينما تنقص نسبة الذين يؤيدون أحزاباً إسلامية. بالنسبة للمسيحيين: تنقص نسبة الذين يؤيدون أحزاباً مسيحية، وتزيد نسبة الذين يؤيدون الحزبين الشيوعي والقومي، وتبقى نسبة الذين يؤيدون أحزاباً إسلامية معدومة أو شبه معدومة. ب ـ الدولة العدوّة ذكر الطلاب في استقصاء 1997 العديد من البلدان التي اعتبروها عدوّة، لكن أكثر البلدان تكراراً هي إسرائيل (77.7 في المئة)، وسوريا (12.7 في المئة)، وأميركا (4.2في المئة). مرة أخرى يفترق المسيحيون عن المسلمين: إسرائيل عدوّة للبنان بالنسبة لـ94 في المئة من المسلمين مقابل 61 في المئة من المسيحيين، وسوريا عدوّة بالنسبة لـ 1 في المئة من المسلمين مقابل 25.5 في المئة من المسيحيين. أما العداء لأميركا فنسبه متقاربة (3.5 في المئة ـ 4.4 في المئة). الاختلاط لا يؤثر بشيء على المسلمين، لكنه يؤثر على المسيحيين: فتزيد عندهم مع زيادة الاختلاط الجامعي نسبة من يعتبر إسرائيل عدوة وتنقص نسبة من يعتبر سوريا عدوّة، ونسبة من يعتبرون أن أميركا عدوّة. إن الافتراق بين الطلبة اللبنانيين في القيم والاتجاهات السياسية استناداً إلى طوائفهم ظاهرة قديمة بينتها دراسات أجريت في الأعوام 1960 و1970 و1974 ، ولكنها زادت أو تكرست نسبياً مع الزمن، بفعل الحرب، وبقيت مستمرة بعد فترة الحرب، بعد صدور وثيقة الوفاق الوطني (استقصاء 1997) وحتى اليوم (طبقا لدراسة أجريت في العام 2004). لكن تحليل نتائج دراسة 1997 تسمح بالوقوف على أثر الاختلاط الجامعي في التخفيف من الاستقطاب الطائفي وفي زيادة فرص تكون الاتجاهات السياسية على أساس الاختيار الحر واستنادا الى التفاعل مع أقران مختلفين. ب ـ تساؤلات وتوجهات: 1 ـ هل يمكن التأثير على قيم الشباب ومواقفهم تجاه المرأة؟ 2 ـ كيف يمكن تعزيز مواقف تجاه المرأة مبنية على المساواة وحقوق الإنسان ؟ 3 ـ هل يمكن كسر الحاجز الطائفي في الانتماء إلى الأحزاب السياسية وتحبيذها؟ 4 ـ كيف يمكن تعزيز مشاركة المحجمين والمحجمات عن الانتماء إلى الأحزاب السياسية في تيارات سياسية جامعة تكسر الحواجز الطائفية؟ 5 ـ كيف يمكن كسر طوق العزلتين للوصول إلى تيارات سياسية جامعة تشكل نسيجا سياسيا مشتركا بين الطوائف؟ 6 ـ كيف يمكن تعزيز المساهمات الجدية في بناء ثقافة وطنية تنشر وتطور مبادئ الاندماج الاجتماعي كالتنوع وتكافؤ الفرص والعدالة والمساواة؟ ثالثاً ـ الحراك الاجتماعي أ ـ الواقع: في استقصاء قديم أجري على فوج من الذين التحقوا بالمدارس في مطلع الخمسينيات في مدينة صيدا، تبين أنه مع حلول السبعينيات كان 73.8في المئة من أبناء الطبقات الدنيا قد بقوا في مكانات اجتماعية مماثلة للمكانات التي كان يحتلها أباؤهم وأجدادهم من قبل، وأن 26.2 في المئة فقط احتلوا مكانات اجتماعية أعلى بقليل أو بكثير من المكانات التي كان يحتلها أباؤهم وأجدادهم، أي حظوا بحراك اجتماعي صاعد، منهم 5 في المئة "تحركوا" اجتماعياً نتيجة ظروف خاصة وطارئة (حراك اجتماعي ظرفي)، بينما تحرّك الباقون (خمسة أسداس) نتيجة نجاحهم المدرسي الذي أهلّ هؤلاء لارتياد الجامعات ثم لشغل مهن وسطى وعليا. وهذا يلقي الضوء على الدور الكبير للتعليم ولاسيما الجامعي في تحقيق الحراك الاجتماعي. وبينت نتائج الاستقصاء الذي أجري في العام 1997 أن 74.3 في المئة من أبناء الفئات الدنيا الذين يرتادون الجامعة اللبنانية يتوقّعون حراكاً اجتماعياً، بينما تصل النسبة إلى حوالى 90 في المئة في الجامعات الخاصة. ويتساءل المرء كيف تكون الجامعة اللبنانية، المجانية الوطنية، أقل أثراً في إحداث توقعات الحراك الاجتماعي من الجامعات الخاصة ذات الأقساط والتابعة لجماعات، فيما المجانية عنصر حاسم في استقبال أبناء الفئات الاجتماعية الدنيا فيها؟ ويكمن حل هذا اللغز في عنصرين: عنصر المساندة العصبية وعنصر نوعية التعليم. المساندة العصبية تعني توفير المساعدات المالية لأبناء الجماعة الذين يرتادون جامعات خاصة (تغطية نفقات الدراسة) أو تأمين الإعفاءات والمنح التي تقدمها الجامعات الخاصة لأبناء الجماعة التي تندرج الجامعة فيها. ونوعية التعليم تعني كيفية اصطفاء الطلاب وكيفية استخدام الموارد البشرية ومصادر التعليم المتاحة، وتطوير هذه الموارد، كما تعني الحيز الذي تحتله اللغة والثقافة الأجنبية في التعليم. وفي هذه الأمور تبدو الجامعات الخاصة أفضل حالاً من الجامعة اللبنانية. وإذا كانت الجامعة الأميركية مثلاً غير تابعة لجماعة فإن أعدادا كبيرة من طلابها كانوا في التسعينيات (حتى العام 1997) يحصلون على تغطية تامة لأقساطهم من مؤسسة الحريري. وهي جامعة يضعها الطلاب في قمة الجامعات في لبنان من حيث النوعية. لذلك يمكن القول إن فرص الحراك الاجتماعي المتاحة للشباب في لبنان تعزى بصورة خاصة لجهود الجماعات، وتصب في الانتماء إليها مجدداً، أي هو حراك ارتدادي، لا يندرج في الاندماج الاجتماعي بالضرورة. ويرتبط حجم هذه الواقعة بحجم المؤسسات الخاصة التابعة للجماعات، والتي ترعى النوعية، وبحجم جهود الجماعات في تقديم المساعدات المالية للطلاب من أبنائها، وبحجم الالتحاق بالفرعين الأول والثاني في الجامعة اللبنانية، الأكثر تجسيداً لنشاط الجماعات. هذه هي الواقعة الأقوى ظهوراً. أما هامش الحراك الاجتماعي المستقل عن جهد الجماعات، فهو موجود لكنه يشكل الواقعة الأضعف. أما في ما يخص الحراك الاجتماعي الأفقي (الجغرافي) فتدل جميع المعطيات على المحدودية القصوى لمثل هذا الحراك في اتجاه الاندماج الاجتماعي. ويكفي أن ننظر في هذا السياق إلى المناطق الجغرافية التي ينزح إليها أبناء هذه المنطقة أو تلك، أو أن نبحث في طوائف أساتذة الجامعة اللبنانية في فروعها المختلفة. ب ـ تساؤلات وتوجّهات: 1 ـ هل يمكن رفع مستوى التعليم في المدارس الحكومية وفي الجامعة اللبنانية لتؤمن هذه المؤسسات فرصا حقيقية للحراك الاجتماعي الصاعد؟ 2 ـ هل يمكن التفكير بإقامة نظام منح تعليم وطنية تكسر طوق اللجوء إلى الجماعات من أجل تعزيز فرص الحراك الاجتماعي؟ 3 ـ كيف يمكن جعل الأراضي اللبنانية مكانا للسكن لأي كان بغض النظر عن انتمائه لأي جماعة؟ 4 ـ هل يمكن التفكير بإقامة نظام لحراك الأساتذة داخل فروع الجامعة اللبنانية مثلاً؟ |